انتقل إلى المحتوى الرئيسي
    العودة للمدونة
    التربية الإسلامية

    آداب تلاوة القرآن: قبلها وفي أثنائها وبعدها

    هُدًى للمتقينSeptember 6, 20261 مشاهدة

    أكثر ما يُكتب في القراءة يتناول اللسان: الحروف والأحكام والمقادير. وأما آداب التلاوة فتتناول ما حول اللسان: الحال التي تأتي بها، والانتباه الذي تحضر به، وكيف تتفاعل مع ما تقرأ، وماذا تصنع به بعد. وليست هذه فضولًا زائدة؛ فقد أفرد لها العلماء المصنفات، وأشهرها "التبيان في آداب حملة القرآن" للإمام النووي، لأن المرء قد يتلو بتجويد متقن فلا ينال إلا قليلًا، ويقرأ آخر متعثرًا فيتغير بها.

    قبل أن تبدأ: الحال والمكان والنية

    ثلاثة أمور يحسن تسويتها قبل أول كلمة:

    • النية. التلاوة عبادة، ويستحق الأمر وقفة ثانيتين تذكر فيهما أنك تقرأ كلام الله، لا أنك تُنهي وردًا.
    • الطهارة. جمهور العلماء على أن مسّ المصحف يحتاج وضوءًا، عملًا بما جرى عليه السلف؛ وأما القراءة عن ظهر قلب بغير وضوء فجائزة باتفاق المذاهب الأربعة. ويستحب كثير من المعلمين السواك أو تنظيف الفم قبلها، واختيار مكان نظيف هادئ.
    • استقبال القبلة إن تيسّر. مستحب لا واجب. والأهم أن تستطيع التركيز؛ فعشر دقائق متمهلة في غرفة هادئة خير من ساعة في مكان يشتّت.

    الاستعاذة والبسملة

    قال الله تعالى: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" (النحل 98). فتُفتتح كل تلاوة بـ"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، ثم بالبسملة عند ابتداء السورة، إلا سورة التوبة فلا بسملة في أولها. وإن ابتدأت من وسط سورة استعذت، والبسملة فيها سعة.

    وكثيرًا ما يستعجل الطلاب فيهما كأنهما مقدمة قبل القراءة الحقيقية. وهما القراءة: فأول جملة تنطقها بيانٌ لمن تتوجه ومن تتبرأ.

    في أثناء التلاوة: الترتيل، والقراءة كأن الخطاب لك

    قال تعالى: "وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا" (المزمل 4). والترتيل التمهل والبيان وإخراج الحروف حرفًا حرفًا، وهو ضد القراءة المتسارعة، وهو الوتيرة التي يصير الفهم معها ممكنًا أصلًا.

    والتدبر هو المقصد الذي نصّ عليه القرآن لنفسه: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ" (ص 29). والتدبر عمليًا عادات صغيرة: أن تقرأ المقطع مرتين، وأن تقف عند آية استوقفتك ولا تمضي، وأن تقرأ تفسير صفحة طالما رددتها، وأن تنتبه حين تخاطبك الآية في حالك.

    ووصف حذيفة رضي الله عنه صلاته خلف النبي صلى الله عليه وسلم: لا يمر بآية تسبيح إلا سبّح، ولا بسؤال إلا سأل، ولا بتعوّذ إلا تعوّذ (رواه مسلم). وهذا هو النموذج: تلاوة كأنها محاورة لا نقل.

    سجدة التلاوة

    بعض الآيات يعقبها سجود تلاوة، وعليها في المصحف علامة في الحاشية. يكبّر القارئ ويسجد سجدة واحدة ثم يرفع، ولا تشهد فيها ولا تسليم. وقد اختلف الفقهاء أواجبة هي أم مستحبة وفي شروطها، وعدد آياتها أربع عشرة أو خمس عشرة بحسب المذهب. فإن أشكل عليك فاتبع علامات مصحفك واسأل معلمك.

    تحسين الصوت وحدّه

    "زيّنوا القرآن بأصواتكم" أمرٌ ثابت، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من حسُنت تلاوته. والحدّ ظاهر أيضًا: أن يخدم التحسين النصّ ويبقى داخل أحكام الأداء. فالتزيين الذي يمدّ المدّ فوق مقداره أو يلوي الحرف طلبًا للأثر قد خرج عن التلاوة إلى الأداء الفني. وإن كان مقصدك تحسين الصوت فانظر كيف تُحسّن تلاوتك؛ والترتيب دائمًا: الصحة أولًا.

    آداب مع المصحف

    • يوضع فوق سائر الكتب، ولا يوضع على الأرض.
    • لا يُوضع فوقه شيء.
    • يُغلق إذا فرغت منه ولا يُترك مفتوحًا مهملًا.
    • تُصان النسخ القديمة أو التالفة، وقد بيّن العلماء وجوه التعامل مع المصحف البالي.
    • يُتجنب الجهر بالقراءة حيث لا تُحترم أو حيث تشوّش على مصلٍّ.

    وتطبيقات الجوال تحمل نصّ القرآن، والاحترام نفسه لما يظهر على الشاشة، وإن كان العلماء عمومًا لا يُلحقون الجهاز بحكم مسّ المصحف.

    أدب المستمع

    قال تعالى: "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (الأعراف 204). وهذا مما يُغفل عنه في زمن الصوت الخلفي: فترك التلاوة تعمل والحديث جارٍ ليس هو الاستماع الذي وصفته الآية. فإما أن تستمع، وإما أن تُغلق وتعود إليها حين تُقبل عليها.

    مسائل الطهارة التي تتكرر

    سؤالان يردان في كل حلقة. الأول: الجنب، والمذاهب الأربعة على أنه لا يقرأ القرآن حتى يغتسل، مع إجازة بعضهم ما يجري مجرى الذكر من الألفاظ. والثاني: الحائض، وهو خلاف معروف بين أهل العلم؛ فالمشهور عند الجمهور المنع، وذهب جمع من العلماء ومنهم معاصرون إلى جواز القراءة عن ظهر قلب، ولا سيما للطالبة والمعلمة التي يفوتها حفظها. فاتبع قول من تثق بعلمه، واعلم أن الخلاف معتبر لا تساهل.

    بعد التلاوة: ماذا تصنع بما قرأت

    لا تنتهي الآداب عند آخر آية؛ وثلاث عادات تُبقي القراءة حية:

    • اعمل بواحدة. عدّ العلماء العمل بما يُتعلَّم تمامًا للتلاوة. وآية يُعمل بها خير من جزء يُقرأ ويُنسى.
    • عُد إليه. حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أن المحفوظ أشد تفلّتًا من الإبل في عُقلها. وما تقرؤه بانتظام يبقى معك؛ وانظر جدول المراجعة.
    • لا تُرائِ به. فقد جاء التحذير الشديد من القراءة طلبًا للثناء. فاقرأ أمام الناس لحاجة: تعليمًا أو تصحيحًا أو صلاة، واجعل سائره بينك وبين الله.

    ويجد كثير من الطلاب أن الآداب لا الأحكام هي التي تُحوّل عادة القراءة إلى شيء يبقى. فإن كان الفهم عائقك فـالعربية القرآنية أسرع ما يرفعه، وإن كان الانتباه عائقك فجلسة أسبوعية مع معلم وورد يومي أصغر يحلّان أكثره.

    خلاصات سريعة

    • سوِّ النية والطهارة والمكان قبل أن تبدأ.
    • افتتح بالاستعاذة، وبالبسملة عند ابتداء السورة إلا التوبة.
    • اقرأ بالترتيل؛ فالسرعة عدوّ الصحة والتدبر معًا.
    • تفاعل مع الآيات: سبّح واسأل واستعذ.
    • اسجد عند آيات السجدة تبعًا لمصحفك ومعلمك.
    • حسّن صوتك داخل الأحكام؛ وما كسر الحكم فليس تلاوة.
    • أنصت إذا قُرئ القرآن، واعمل بما تقرأ.

    الأسئلة الشائعة

    هل يلزم الوضوء لتلاوة القرآن؟

    لمسّ المصحف يشترط جمهور العلماء الوضوء. وأما القراءة عن ظهر قلب أو من شاشة دون مسّ النص فلا يُشترط لها الوضوء وإن كان أفضل. والجنب لا يقرأ حتى يغتسل عند المذاهب الأربعة.

    ماذا أقول قبل بدء التلاوة؟

    تقول الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما أُمر في سورة النحل، ثم البسملة إن كنت مبتدئًا سورة. وسورة التوبة مستثناة فلا بسملة في أولها.

    ما سجدة التلاوة؟

    سجدة واحدة تُفعل عند تلاوة إحدى آيات السجدة أو سماعها، وهي معلَّمة في المصحف. يكبّر القارئ ويسجد ثم يرفع، ولا تشهد ولا تسليم. وقد اختلف الفقهاء أواجبة هي أم مستحبة، وعدّوا آياتها أربع عشرة أو خمس عشرة.

    هل تقرأ الحائض القرآن؟

    هذه مسألة خلاف معتبر. فالمشهور عند الجمهور المنع في الحيض، وذهب جمع من العلماء ومنهم معاصرون إلى جواز القراءة عن ظهر قلب، ولا سيما للطالبة والمعلمة التي يفوتها حفظها. فاتبع قول من تثق بعلمه.

    هل تُكره السرعة في القراءة؟

    السرعة ليست ممنوعة، وثمّ مرتبة معروفة في الأداء لمن أتقن الأحكام. لكن الله أمر بالترتيل، والسرعة عند المتعلم تعني الخطأ وترك التدبر. فاقرأ بالوتيرة التي تُحسن معها القراءة وتفهم شيئًا مما تقول.