انتقل إلى المحتوى الرئيسي
    العودة للمدونة
    التربية الإسلامية

    حفص وورش: لماذا يُقرأ القرآن الواحد بوجوه مختلفة

    هُدًى للمتقينSeptember 6, 20261 مشاهدة

    يفتح مسلم من القاهرة ومسلم من الدار البيضاء المصحف فيقرآن السورة نفسها، فيختلف الصوت اختلافًا ظاهرًا. وليس أحدهما يقرأ قرآنًا آخر، ولا أحدهما مخطئ. إنما يقرآن روايتين متواترتين: حفصًا عن عاصم، وورشًا عن نافع، كلتاهما محفوظة بسند متصل، متلقّاة بالقبول في كل عصر. في هذا الدليل: من أين جاءت هاتان الروايتان، وما الذي يختلف بينهما حقًا، وهل يتغير المعنى، وأيّهما تتعلم.

    الأحرف والقراءات والروايات: ثلاثة ألفاظ يحسن الفصل بينها

    أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن أُنزل على سبعة أحرف، كما في الصحيحين. وقد طال كلام العلماء في تحقيق معنى الأحرف، والذي يعني القارئ هو الطبقة التي تليها.

    فـالقراءة وجهٌ كامل من وجوه الأداء منقول عن إمام من أئمة القراءة. والرواية هي ما نقله عنه أحد تلاميذه. وقد حرّر ابن الجزري القراءات العشر المتواترة، لكل قراءة راويان مشهوران، فصارت عشرين رواية تستوفي شروط القبول: صحة السند، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة العربية ولو بوجه.

    فـ"حفص" إذن ليس قراءة بل رواية؛ والقراءة قراءة عاصم الكوفي، وحفصٌ تلميذه الذي شاعت روايته.

    من أين جاءت الأسماء

    القراءةالراويانالمصرأين تُقرأ اليوم
    عاصمحفص وشعبةالكوفةحفص أوسع الروايات انتشارًا: المشرق العربي وتركيا وجنوب آسيا وجنوب شرقها
    نافعورش وقالونالمدينةورش في المغرب والجزائر وكثير من غرب أفريقيا، وقالون في ليبيا وبعض تونس
    أبو عمروالدوري والسوسيالبصرةالدوري في السودان وبعض القرن الأفريقي وغرب أفريقيا

    وانتشار حفص أمرٌ تاريخي وطباعي لا مرتبة فضل. فقد طُبع مصحف الأزهر سنة 1924 برواية حفص، ثم حملته الطباعة الواسعة إلى العالم الإسلامي. والروايات العشرون كلها في الثبوت سواء.

    ما الذي يختلف حقًا

    الفروق حقيقية لكنها محدودة، وترجع إلى أبواب معدودة:

    • مقادير المد. وهو أظهر الفروق سماعًا. فورش من طريق الأزرق المشهور يُشبع المد المتصل والمنفصل ست حركات، وحفص يقرأ المتصل بأربع أو خمس، والمنفصل بحركتين أو أربع أو خمس.
    • الهمز. ورش كثيرًا ما يُسهّل الهمزة أو ينقل حركتها إلى الساكن قبلها، وهو المسمّى بالنقل، وحفص يُحقّق الهمز.
    • الإمالة والتقليل. يميل ورش بألفات مخصوصة نحو الياء، وهو من أوضح ما يُميّز الأداء المغربي في أذن المشرقي.
    • تفخيم اللام والراء. تختلف الروايتان في مواضع التفخيم والترقيق.
    • صلة ميم الجمع. ورش يصلها بواو مدّية في مواضع، وحفص يُسكّنها.
    • عدد يسير من الكلمات. وأشهرها في الفاتحة: يقرأ حفص "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"، ويقرأ نافع ومنه ورش وقالون "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ".

    وتأمّل ما ليس في القائمة: لا آية في رواية وتغيب في أخرى، ولا سورة تختلف ترتيبًا ولا مضمونًا. وإنما يختلف الأداء المنقول، وفي كلمات معدودة حركةٌ أو صيغة منقولة.

    هل تُغيّر الفروق المعنى؟

    أكثرها لا يمسّ المعنى أصلًا؛ فالمد أربع حركات أو ست هو الكلمة نفسها. وأما ما اختلفت فيه الصيغة كـ"مالك" و"ملك" فقد تعامل العلماء معه على أنه تكامل لا تعارض: هذه تُثبت المِلك وتلك تُثبت المُلك، وكلاهما وصف ثابت لله. وهذا من محاسن اختلاف القراءات، وكتب التفسير تستنبط من الوجهين جميعًا.

    وفي مواضع قليلة جدًا يتصل اختلاف القراءة بمسألة فقهية، ويبحثها الفقهاء صراحةً بالرجوع إلى القراءات. ولا يمسّ ذلك القارئ العادي في شيء: فالقراءة بالرواية التي تعلّمتها صحيحة تامة لا تحتاج تعديلًا.

    أيّهما تتعلم؟

    ما حولك في الغالب.

    • تعلّم حفصًا إن كان مسجدك ومعلمك ومصحفك عليه، وهو حال أكثر العالم، وحال الدراسة عبر الإنترنت في عمومها. وأكثر دورات التجويد التي ستلقاها مبنية عليه.
    • تعلّم ورشًا أو قالون إن كنت في المغرب العربي أو غرب أفريقيا أو منهما، أو كانت أسرتك تقرأ به، أو كان معلمك مُجازًا فيه. فتعلّم حفص في بيئة ورشية يجعلك تقرأ على خلاف من حولك بلا فائدة.
    • لا تخلط. فالجمع بين خصائص روايتين في تلاوة واحدة — مدّ ورش مع صيغ حفص مثلًا — خطأ معروف اسمه التلفيق. أتقن واحدة، ثم ابدأ الأخرى قصدًا.

    وفي منصتنا يذكر المعلم الرواية التي يُقرئ بها في ملفه، ودروس التجويد على رواية حفص عن عاصم افتراضيًا إلا أن تتفق مع معلمك على غيرها.

    تعلّم رواية ثانية بعد ذلك

    من أتمّ ختمة بحفص وأراد التوسع سلك أحد طريقين: أضيقهما أن يضيف رواية ثانية — ورشًا أو قالون — بأن يتلو القرآن كله بها على شيخ مُجاز. وأوسعهما القراءات العشر، تُدرس بالشاطبية ثم الدرة، أو بالطيبة مباشرة. وكلاهما عملٌ في مستوى الإجازة يستغرق سنين؛ وانظر كيف تُنال الإجازة والقراءات العشر.

    والشرط ليس الفضول بل الإتقان؛ فلن يبدأ الشيخ برواية ثانية مع طالب لم تستقر روايته الأولى، لأن الفروق لا تُفهم إلا على أصل ثابت.

    قراءة مصحف ورش

    إن أخذت مصحفًا مطبوعًا في المغرب استغربت أشياء قبل أن تقرأ: الخط مغربي لا نسخي، وبعض الحروف تختلف في النقط، وعلامات المد والسكون على اصطلاح آخر، وقد يختلف عدّ الآي قليلًا لاختلاف مذاهب العدّ. وليس في ذلك دلالة على اختلاف النص؛ إنما هو القرآن نفسه في تقليد كتابي آخر.

    خلاصات سريعة

    • القراءة وجه منقول عن إمام، والرواية نقل أحد تلاميذه عنه.
    • حفص رواية عن قراءة عاصم، وورش رواية عن قراءة نافع.
    • عشر قراءات متواترة لكل منها راويان، فصارت عشرين رواية.
    • الفروق في مقادير المد والهمز والإمالة والتفخيم وكلمات معدودة.
    • لا تختلف آية ولا سورة بين الروايات؛ النص واحد.
    • تعلّم رواية بيئتك، ولا تجمع بين روايتين في تلاوة واحدة.

    الأسئلة الشائعة

    ما الفرق بين حفص وورش؟

    هما روايتان لقرآن واحد. فحفص راوٍ عن قراءة عاصم الكوفي، وورش راوٍ عن قراءة نافع المدني. ويختلفان في مقادير بعض المدود، وفي الهمز، وفي الإمالة، وفي تفخيم بعض الحروف، وفي كلمات معدودة مثل "مالك" و"ملك" في الفاتحة.

    هل إحداهما أصح من الأخرى؟

    لا. كلتاهما تستوفي شروط القراءة المقبولة: صحة السند، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة العربية. وانتشار حفص اليوم يرجع إلى تاريخ الطباعة لا إلى مرتبة في الثبوت.

    لماذا شاع حفص في كل مكان تقريبًا؟

    لأن المصحف المطبوع الذي انتشر في العالم الإسلامي في القرن العشرين، وأوله المصحف المصري سنة 1924، كان برواية حفص. وقبل الطباعة الواسعة كانت الروايات موزّعة بين الأقاليم توزيعًا أكثر توازنًا، ولا يزال ورش وقالون والدوري روايات محلية في عدة بلدان.

    هل أقرأ بورش في مسجد أهله على حفص؟

    نعم، فهي قراءة صحيحة والقراءة بها ليست بدعة. وفي الصلاة الجامعة يستحب بعض العلماء أن يقرأ الإمام بما يعرفه المأمومون دفعًا للالتباس، والتلاوة صحيحة في الحالين.

    هل يتعلم المبتدئ أكثر من رواية؟

    لا. أتقن واحدة على وجه مستقر صحيح أولًا. فدراسة رواية ثانية قبل ثبات الأولى تُنتج التلفيق، وهو خلط غير مقصود بينهما، وتصحيحه أشق من تعلّم كل واحدة منهما.